المنجي بوسنينة

579

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

توفّي والده وهو صبي ، فكفله إخوته ، وكان يرعى مواشيهم ( قبل أن يتعلّم صناعة النسيج ) ، لكنه أخذ نفسه بحفظ القران الكريم منذ حداثته ، ثم ما لبث أن تعلّم حرفة النسيج ليكتسب منها ، ولم يكن ذلك ليحدّ من ميله وحماسه إلى طلب العلوم الدينية وغيرها ، فهو عاصر حوالي ربع قرن من حكم المرابطين ، وأكثر من نصف قرن من حكم الموحّدين ، ومن ثمّ ، فعصر أبي مدين يمثّل الذروة في التاريخ المغاربي ككل ، من حيث استتباب الأمن عموما ، ومن حيث تمازج علوم الظاهر والباطن وانتشار العقليات والتواصل الثقافي المغاربي . ودفع حب العلم أبا مدين التلمساني إلى الترحال في سبيل تلقيه عن مشاهير العلماء والشيوخ من المغاربة ، فتوجّه إلى سبتة وطنجة مدّة يخالط الصيادين ليكسب عيشه ، قبل أن يلتحق بمراكش التي تضم الكثير من العناصر الأندلسية ، لكنه عدل عنها بعد ذلك إلى فاس في أخريات دولة المرابطين وأوائل دولة الموحّدين ، وهناك وجد بغيته ، وواصل الدراسة حتّى قيل عنه : « أنه برع وتفنّن في علوم الإسلام نقليّها وعقليّها » . وكان أبو مدين التلمساني قد قرأ على عدد من الشيوخ منهم : أبو الحسين علي بن حرزهم ( ت 559 ه ) ، وعلي بن غالب الأنصاري ( ت 568 ه ) قرأ عليه سنن الترمذي ، والمحدّث الصوفي أبو عبد الله محمد الدقاق السجلماسي ، والصوفي أبو يعزي يلنور ( ت 572 ه ) . وبالرغم من ذلك فإن ذوق أبي مدين التلمساني في التصوّف وميله إلى سلوك طريقه فاق كل تقدير فأقبل عليه بهمته ، مدفوعا بتشجيع شيخه أبي يعزى إلى الرغبة في بلوغ أوج الكمال الروحي ، آخذا نفسه بأكثر قواعد الزهد والتقشّف صرامة ، دون أن يجد لذلك ما قد يجده غيره من صعوبة وعسر . وتدرج أبو مدين التلمساني مترقيا في طريق التصوّف حتّى نال مرتبة « القطب » و « الغوث » ، كما أن تصدّيه للتدريس بفاس لاحقا ، دليل على أنه وصل درجة الأستاذية ، ولم يكن ذلك متاحا لكل واحد بالمراكز العلمية المرموقة ، خصوصا وقد كان يدرس بجامع له ، حيث تولى تكوين المريدين أيضا ، وسكن حومة الرميلة ، مسلما له من أجله أعلام التصوّف في عصره ، وتشير بعض الروايات أن أبا الصبر أيوب الفهري السبتي اختلف إليه بفاس سنين كثيرة ، وهو الذي قال عنه : « خاض من الأحوال بحارا ، ونال من المعارف أسرارا » . وحج أبو مدين في شبابه في وقت غير محدّد ، وذلك في حياة الصوفي الكبير عبد القادر الجيلاني ( ت 561 ه ) الذي لقيه بعرفة ثم درس عليه أبو مدين الحديث بمكة المكرّمة ، وقويت بينهما أواصر المودّة وقطع بصحبته شوطا بعيدا في علوم الأصول . وقيل إنه اتّصل بالشيخ الرفاعي ، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنّ رحلته امتدّت إلى بغداد . ثم عاد أبو مدين التلمساني إلى بلاده ، حيث أقام مدرسة صوفية في مدينة « بجاية » ، ولم يكن اختاره لبجاية خاليا من الاعتبار المعاشي وقد قال عنها : « إنها تعين على طلب المعاش » . وقام بتدريس الحديث والتصوّف والفتوى في مسائل الفقه ، وكانت رسالة القشيري ضمن المؤلّفات التي تولّى شرحها